دراسات وتحليل

انتقام أم عدالة انتقالية: المسارات والدلالات 

انتقام أم عدالة انتقالية: المسارات والدلالات 

المحامي الياس شكرو شكرو: 

  • مفهوم العدالة الانتقالية.
  • مهام العدالة الانتقالية.
  • وسائل العدالة الانتقالية.
  • الولاية القضائية الدولية.
  • سورية والعدالة الانتقالية. 

أولاً- مفهوم العدالة الانتقالية

توطئة: 

في مراجعة بسيطة للتاريخ، نقرأ بأن حكام كثر استبدوا بحكمهم وشكلوا انظمة قمعية انتهكت هذه الانظمة القمعية الاستبدادية ادنى معايير حقوق الانسان

ولم تكترث لا بسيادة القانون ولا دساتير بلادها، بحيث جعلت هذه القوانين والدساتير معدومة الصلاحية، واختزلت الدولة بكامل مؤسساتها بذاتها والعصابة التي تأتمر بأمرها

واذاقت شعوبها ويلات التعذيب والاقصاء والاعتقال، وحتى التهجير والقتل، لكن مهما طال الزمن او قصر بتلك الطغم الحاكمة، لا بد وأن يحل اليوم الذي تنتفض فيه الشعوب لاستعادة حقوقها وحريتها

وقد يكون الطريق للخلاص من هؤلاء الطغاة، إما الثورات الشعبية، أو حروب اهلية، أو حتى انقلابات عسكرية (مدعومة او غير مدعومة) من تيارات سياسية محلية او دولية. 

ماهية العدالة الانتقالية 

سقوط الانظمة الديكتاتورية القمعية على يد الثوار او المعارضين، يتيح الفرصة للأخذ بالثأر والانتقام من السلطات التي استعملت البطش ضدهم. 

لكن الانتقال من حالة النزاع الداخلي المسلح الى حالة السلم والسلام يتطلب العدالة، والعدالة هنا تختلف عن العدالة بمفهومها العام عن العدالة بمفهومها الخاص بمرحلة انتقالية ما. 

1- العدالة بمفهومها العام: 

هي التي تقضي باضطلاع السلطات القضائية المحلية المختصة بتوقيع العقوبة على من 

يخالف القانون، وتوكيل مهمة تنفيذ هذه العقوبة الى الضابطة الشرطية المختصة بهذا المجال، وهنا الاساس فيه هو العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات. 

2- العدالة الانتقالية بمفهومها الخاص: 

هي حالة اسقاط نظام ديكتاتوري مستبد بالقوة واستعادة الشعب للحكم بصفته صاحب الحق الشرعي بحكم نفسه بنفسه ضمن إطار الحق والعدل والمساواة، ومحاسبة من ارتكب بحقه الجرائم من السلطات السابقة. 

نشوء فكرة العدالة الانتقالية 

ظهرت فكرة أو مبدأ العدالة الانتقالية أول ما ظهرت في المانيا عام ١٩٤٥ بعد الحرب العالمية الثانية، ثم في الارجنتين عام ١٩٨٠

ثم في تشيلي عام ١٩٩٠، وفي عام ١٩٩١ بعد انهيار الاتحاد السوفياتي السابق، وفي السلفادور عام ١٩٩٢ واخيراً في جنوب افريقيا عام ١٩٩٥

ويذهب العديد من المفكرين والساسة الى تقسيم تطور مفهوم العدالة الانتقالية الى ثلاث مراحل وهي: 

المرحلة الاولى: عام ١٩٤٥ بعد الحرب العالمية الثانية، وبالذات في مدينة نورمبيرغ الالمانية – وسميت المحكمة باسم (محكمة نورمبيرغ)

تيمنا باسم المدينة التي  تأسست فيها وعقدت فيها جلساتها ال /١٣/ فيها ايضاً – وكانت قد شكلت هذه المحكمة خصيصاً لمحاكمة الضباط والقادة الالمان الذين ارتكبوا جرائم بحق الإنسانية

قبل وإبان الحرب الكونية، وميزة هذه المحكمة وهذه المرحلة، انها تمحورت حول المحاكمات والتجريم فقط، لان المحاكم والمحاكمات ترتبت ونشأت على هذا الاساس . 

المرحلة الثانية: والتي بدأت عام ١٩٨٠ في الارجنتين ثم في تشيلي عام ١٩٩٠ والاتحاد السوفياتي السابق عام ١٩٩١ والسلفادور عام ١٩٩٢

ويعتبر المفكرون والساسة ان هذه المرحلة كانت أكثر تبلوراً ووضوحاً من سابقاتها، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي يوم ٢٦/١٢/١٩٩١

وما أعقب هذا الانهيار من تطورات دراماتيكية وانهيار الانظمة التي كانت تدور في فلكه، والتغيرات السياسية المختلفة، وفي اماكن مختلفة من العالم، في اوروبا الشرقية خاصة والعالم عامة. 

المرحلة الثالثة: وتعتبر هذه المرحلة الاكثر تبلورًا والاكثر وضوحاً، لإن في هذه المرحلة تأسس ما اصطلح تسميته في جنوب افريقيا عام ١٩٩٥ (بلجنة الحقيقة والمصالحة) إثر سقوط نظام (الابارتايد) العنصري

وشكلت اللجنة للتعامل مع القضايا والانتهاكات الفظيعة التي تعرض لها السكان السود على يد البيض والسلطات العنصرية. 

ثانياً- مهام العدالة الانتقالية 

ان سقوط الانظمة الديكتاتورية على يد الثوار او المعارضة يتيح الفرصة للأخذ بالثأر والانتقام من السلطات التي استعملت البطش ضدهم

ومن هذا المنطلق إن الامين العام للأمم المتحدة السابق والراحل /كوفي انان/ يرى ان العدالة الانتقالية يجب ان تشمل كامل نطاق اماكن الصراع

وكامل الانتهاكات السابقة واللاحقة، في الاليات الواجب اتباعها في تحقيق المصالحة، ويجب ان تقسم مهام اللجان التي تعمل ضمن إطار هذا المفهوم الى قسمين، ويوافقه اغلب المفكرين والساسة والقانونيين في هذا الطرح: 

1) القسم الزمني: يجب ان يتعلق بالحقبة الزمنية التي تعمل هذه اللجان عليها وضمنها، وقد تطول او تقصر حسب ظروف كل بلد والمراحل التي مر الصراع فيها. 

2) القسم النوعي: وتتعلق بنوعية الجرائم المرتكبة بحقوق الانسان والتي تتابعها هذه اللجان من خلال كشفها ودراستها واصدار النتائج المناسبة لها

وتحديد المسؤولين عنها ومعاقبتهم، وتقرير التعويض المناسب على المتضررين، والعمل على منع وقوع وتكرار مثلها في المستقبل للحفاظ على السلم والسلام في هذا البلد او ذاك. 

وضمن هذا المنحى، يمكن للسلطات السياسية الجديدة التي تخلصت من سلطة الاستبداد السابقة اتباع احدى المقاربات الثلاثة التالية:

1- القصاص العنيف: وهذا النوع من المحاسبة يمكن ان يؤدي الى شرخ وانقسام مجتمعي عميق وجديد، وقد يؤدي الى حروب اهلية داخلية جديدة لا تنتهي مفاعليها ونتائجها لعشرات السنين

كما يمكن ان تؤدي الى مفاعيل عكسية، كأن يتحول جلاد الامس الى ضحية يتعاطف معها الجميع، ويتحول ثوار الامس الى مستبدين جدد وقتلة، ينقلب عليهم انصارهم قبل غيرهم.

2- نسيان الماضي: هذه المقاربة تعددت فيها الآراء والمذاهب:

 منهم من يرى بان تجنب معاقبة رموز النظام السابق ونسيان الماضي يؤدي بالضرورة الى ارساء سلام مجتمعي يشارك فيه الجميع في بناء مستقبل جديد وحضاري لا يتم فيه إقصاء أحد هو أفضل السبل.

 مذهب اخر يقول: بأنه لو تم نسيان الماضي ولم يعاقب الجناة على ما اقترفت يداهم

سيكون السلام هشاً فقد يعودون الى رص صفوفهم من جديد، والانقضاض في غفلة من الزمن على النظام الجديد والدخول معه في جولة جديدة وصراع دموي جديد.

 رأي ثالث يذهب الى القول: ان نسيان الماضي لا يعني بالضرورة طي صفحة الماضي 

والمضي قدماً في تأسيس نظام جديد دون مشاكل وعقبات، لذلك يجب محاسبة ومعاقبة الجناة على ما اقترفوه من انتهاكات سياسية واخلاقية وجنائية اثناء ممارستهم لسلطتهم ضد معارضيهم، أيا كان شكل المعارضة. 

3- الحق والعدل

ثالثاً- الوسائل الدولية لمسألة المجرمين 

على الرغم من ان العدالة الانتقالية، نظرياً تحض على تحقيق سياسة الحق والعدل، لكن الحقيقة والواقع يقولان شيء اخر تماماً

فهذا المسار تحكمه موازين القوه المادية دائماً وابداً، ولا يعني اصدار مراسيم ولا انشاء لجان تحقيق ان ينال الجاني جزاءه، فغالباً ما يفلت الجناة من العقاب

ولنا امثله في ذلك (الارجنتين، غواتيمالا، جنوب افريقيا، السلفادور، تشيلي، ودول اوربا الشرقية، وفي البلاد العربية المغرب، الجزائر، ولبنان)

واكثر من ذلك ربما نجد من تسبب بالجرائم ضد الانسانية يعتلي المناصب العليا في الدولة.

في كل الاحوال اذا توفرت الإرادة الدولية في معاقبة الجناة الذين ارتكبوا جرائم بحق شعوبهم او بحق الغير

فقد تأسست بعد محكمة نورمبيرغ الالمانية عام ١٩٤٥ العديد من المنابر القضائية كمحكمة العدل الدولية، او محكمة الجنايات الدولية في لاهاي

واهم تلك المحاكمات التي جرت حديثا هي تلك التي جرت في ٢٣/٤/٢٠٢٠ في مدينة كوبلنز الالمانية بحق الضابطين السوريين (اياد وانور) المسؤولين في فرع الخطيب في دمشق

التي اطلقت اعمالها وفق مبدأ الولاية القضائية العالمية  المنصوص عنه  في المادة (٢٩) من نظام روما الصادر عام ١٩٨٨، والذي يعني اختصاص القضاء العالمي

بمعنى آخر ان يحق لكل دولة اتخاذ الاجراءات القضائية بحق مرتكبي الجرائم الخطيرة المتواجدين على اراضيها، بغض النظر ما اذا كانوا يحملون جنسيتها ام لا، او انهم ارتكبوا جرائمهم على اراضيها ام على اراضي وطنهم الام. 

رابعاً- الولاية القضائية الدولية 

تنص اتفاقيات جنيف الاربعة وبروتوكولاتها الصادر عام ١٩٧٧ ونظام روما لعام ١٩٨٨ ومادته (٢٩) التي تعتبر ان الجرائم التي تقع ضمن اختصاص هذه المحكمة لا تسقط بالتقدم

وهناك اتفاقية جنيف الرابعة بالتحديد، التي تلزم الدول والاطراف الموقعة ووفق المواد (١٤٦-١٤٧) على اتخاذ ما يجب لإقرار اجراءات

وتشريعات لملاحقة مرتكبي الجرائم الجزائية وحتى فيما يتعلق بأخذ الرهائن والاخفاء القسري او التعذيب، او حتى تدمير الممتلكات… الخ. 

كما ان هناك العديد من المعاهدات والاتفاقيات المتعلقة بمثل هذه القضايا كاتفاقية الامم المتحدة لعام ١٩٨٤ المتعلقة في مناهضة التعذيب او المعاملة اللاإنسانية

والاتفاقية الدولية لعام ٢٠٠٦ المتعلقة بحماية المساجين والمختفين قسراً. 

٥- سورية والعدالة الانتقالية

إن المحاكم الدولية غالباً ما تواجه مشاكل وعراقيل وصعوبات كثيره بسبب تدخل اطراف دولية كثيره في الصراع

لذلك يجب ان يكون للمحاكم الداخلية الوطنية الدور الاكبر في ملاحقة الجناة من اي جهة كانت، معارضة ام نظام، ولان نظام الاسد الاب

ومنذ استيلائه على السلطة في سورية عام ١٩٧٠ همش القضاء بالذات، لذلك يجب التركيز على انشاء منظومة قضائية جديده ذات فاعلية ومصداقية للخروج من هذه المحنه

ولأن نظام الاسد فرغ القوانين من اي محتوى، والتشريعات السورية في غالبيتها قديمة وبالية وقد لا تحتوي اي نصوص تجرم مرتكبي الجرائم من ضباط جيش او امن بحق الشعب السوري

لذلك يجب الاستفادة من القضاء الدولي، وحتى من تلك القرارات والقوانين التي سمحت للمحاكم الدولية المحلية بمحاكمة مرتكبي مثل هذه الجرائم

على الرغم من انها لن تؤدي الى وأد الجراح، وطي صفحة العداوات بين ليلة وضحاها، إلا ان افضل طريق للسوريين للخروج من هذا النفق المظلم وهذه الكارثة

هو تطبيق اليات العدالة الانتقالية، شرط ان توضع استراتيجية واضحة للعمل على العدالة الانتقالية. 

العدالة الانتقالية هي ضرورة وذات اهمية خاصة وذلك بسبب تدخل افرقاء كثر في هذه الحرب

أكانت مجاميع ميليشاوية ام دول بذاتها وجيوشها بعديدها والياتها وعتادها، الذي يمكن للسوريين اتباعها في هذا الشأن: 

1) تشكيل محاكم محلية وطنية بتشريعات وقوانين واضحة يمكن الاعتماد عليها، ويمكن الاعتماد في هذا الشأن ايضاً على المنظمات الدولية والعربية والجمعيات الحقوقية للاستفادة من خبرتها في هذا المجال.

2) الاستفادة من المحاكمات المحلية الدولية والنصوص القانونية التي سمحت لتلك المحاكم بملاحقة مرتكبي مثل هذه الجرائم، ومثالاً على ذلك محكمة كوبلنز الالمانية التي أطلقت اعمالها بحق الضابطين السوريين (اياد وانور) يوم ٢٣/٤/٢٠٢٠.

3) اللجوء في بعض الحالات الى محكمة الجنايات الدولية التي تعمل وفق مبادئ نظام روما الصادر عام ١٩9٨ الذي يعتمد مبدأ اساسي وهو ان الجرائم التي تقع ضمن اختصاص هذه المحكمة لا تسقط بالتقادم.

4) تشكيل لجان تقصي حقائق مشكلة من سوريين وعرب وامنيين، واعتماد المعايير الدولية في عملها.

5) مطالبة الدول التي يمكن ان يتواجد على اراضيها من ارتكب جرائم بحق السوريين في حال تمكن تلك الدول من القبض عليهم

وإذا تقاعست او امتنعت بعض الدول عن تسليمهم، كذلك ينطبق الامر على من قد تكون لديهم حصانة تمنع من مقاضاتهم في دولهم او في سورية. 

المراجع:

١- د. كبريئل الموند – كتاب السياسة المقارنة. 

٢- نطاق الولاية القضائية العالمية وتطبيقه – الجمعية العامة للأمم المتحدة 

٣- العدالة الجنائية على الجرائم الجسيمة في القانون الدولي – هيومن رايتس ٢.١٣ 

٤- احمد اسماعيل محمد – الديمقراطية ودور القوى السياسية النشطة في الساحات المختلفة عام ٢٠١٠

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق